الروبل الروسي واليوان الصيني: قوتان نقديتان صاعدتان
كيف تطور الروبل الروسي واليوان الصيني، وحديث بريكس عن بدائل الدولار، وماذا تعني تسوية التجارة باليوان مع العراق لمستخدمي DinarView.
مقدمة: قوتان نقديتان صاعدتان في نظام عالمي متغير
يشهد النظام المالي العالمي منذ سنوات نقاشًا متصاعدًا حول مستقبل الدولار1,588+0.52% الأمريكي كعملة احتياط رئيسية، وسط صعود لاعبين نقديين جدد أبرزهم الروبل الروسي واليوان الصيني (الرنمينبي). هاتان العملتان، رغم اختلاف مسارهما التاريخي وحجم اقتصاد بلديهما، تجدان نفسيهما اليوم في قلب نقاش عالمي حول “تعدد الأقطاب النقدي”، خصوصًا مع تنامي دور مجموعة بريكس وتوسع التجارة بالعملات المحلية بديلاً عن الدولار. بالنسبة لمستخدمي منصة دينارفيو في العراق، فهم هذا المشهد ليس ترفًا أكاديميًا؛ فالعراق كدولة تصدّر النفط وتستورد سلعًا صينية بكثافة، يقف على تماس مباشر مع تحولات تسوية التجارة باليوان وأثرها المحتمل على أسواق الصرف المحلية.
من الروبل السوفيتي إلى الروبل الروسي الحديث
لم يكن الروبل الروسي الحالي موجودًا بشكله الحالي قبل تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991. فقد كان الروبل السوفيتي عملة مركزية مقيدة، لا تُتداول بحرية خارج الكتلة الشرقية، وقيمتها الرسمية لم تكن تعكس قوتها الشرائية الفعلية بسبب الاقتصاد المخطط مركزيًا وغياب سوق صرف حرة. بعد الانهيار، ورثت روسيا الاتحادية عملة جديدة تحمل نفس الاسم لكنها انطلقت في بيئة اقتصادية مختلفة جذريًا: تضخم جامح في التسعينيات، وتعويم شبه كامل لسعر الصرف، وأزمات مالية متكررة كان أبرزها أزمة 1998 حين انهار الروبل بشكل حاد.
مطلع الألفية الجديدة شهد استقرارًا نسبيًا مدعومًا بارتفاع أسعار النفط والغاز، إذ يعتمد الاقتصاد الروسي بشكل كبير على صادرات الطاقة، ما يجعل الروبل عملة شديدة الارتباط بحركة أسعار النفط العالمية — وهو أمر يجد فيه العراقيون تشابهًا مع اعتماد اقتصادهم على الريع النفطي. لاحقًا، مثّلت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ عام 2014 (وتصاعدت بشكل حاد بعد عام 2022) نقطة تحول جوهرية: فقد استُبعدت بنوك روسية كبرى من نظام “سويفت” العالمي للتحويلات المصرفية، وجُمّدت احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية التابعة للبنك المركزي الروسي في الخارج. هذا الحدث بالذات غيّر نظرة كثير من الدول – ومن بينها دول كبرى في مجموعة بريكس – إلى مخاطر الاعتماد الكامل على الدولار في احتياطياتها النقدية.
نتيجة هذه العزلة المالية الجزئية، اتجهت روسيا إلى تطوير بدائل: نظام مدفوعات محلي موازٍ لسويفت، وتعميق التجارة بالعملات المحلية مع شركاء مثل الصين والهند، وتنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار واليورو نحو الذهب واليوان. الروبل اليوم عملة تتسم بتقلب أعلى من المعتاد بسبب هذه العزلة الجزئية عن الأسواق المالية العالمية، لكنه في الوقت ذاته عملة لدولة لا تزال تمتلك احتياطيًا نفطيًا وغازيًا هائلاً وقدرة تصديرية لا يستهان بها.
رحلة الروبل ذهاباً وإياباً، شهراً بشهر
أكثر ما يعلّمنا في سجل الروبل الأخير ليس الانهيار. بل سرعة انعكاس الانهيار، وبأي وسيلة. تروي متوسطات دينارفيو الشهرية القصة بثلاثة أرقام.
في شباط 2022 كان المتوسط الشهري نحو 78 روبل للدولار. وفي آذار صار نحو 111. وبحلول حزيران بلغ نحو 58 — أقوى مما كان قبل بدء الحرب. ولم يكن ما أنتج هذا التعافي هو الثقة: بل ضوابط رأس المال، ورفع سعر الفائدة إلى 20 في المئة، وإلزام المصدّرين بتحويل عوائدهم الأجنبية، وانهيار الاستيراد الذي ترك البلاد بدولارات لا تستطيع إنفاقها. يمكن جعل عملة مُدارة تبدو قوية. وهذا شيء مختلف عن قابلية التحويل الحرة، وهو سبب تسعير مكتب صرافة في بغداد للروبل بحذر أشد بكثير من اليورو1,821+0.12%.
الرنمينبي الصيني: من عملة مغلقة إلى طموح عالمي
على عكس الروبل، لم يمر اليوان الصيني (المعروف رسميًا باسم الرنمينبي، ورمزه CNY، ويُسمى وحدته الأساسية “يوان”) بانهيار حاد، بل بمسار تدريجي ومخطط بعناية من قبل بكين. لعقود طويلة كان اليوان عملة مُدارة بالكامل من الدولة، مربوطة بسعر صرف شبه ثابت تجاه الدولار، مع قيود صارمة على حركة رأس المال داخل وخارج الصين. هذا النموذج خدم الصين جيدًا في مرحلة النمو الصناعي التصديري السريع، إذ منح صادراتها ميزة تنافسية سعرية واضحة.
مع تحوّل الصين إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بدأت بكين منذ أوائل العقد الثاني من الألفية بخطوات مدروسة نحو “تدويل الرنمينبي” (Renminbi Internationalization)، أي جعل العملة أكثر قابلية للاستخدام في التجارة والاستثمار الدوليين دون التخلي الكامل عن الرقابة الرأسمالية. من أبرز خطوات هذا المسار: إطلاق نظام “سي آي بي إس” (CIPS) كبديل صيني جزئي لنظام سويفت لتسوية المدفوعات باليوان عبر الحدود، وتوسيع شبكة اتفاقيات “مبادلة العملات” (Swap Lines) مع عشرات البنوك المركزية حول العالم، وإدراج اليوان ضمن سلة عملات صندوق النقد الدولي لحقوق السحب الخاصة (SDR) عام 2016 اعترافًا بمكانته المتنامية.
ورغم هذه الخطوات، لا يزال اليوان بعيدًا عن منافسة الدولار كعملة احتياط عالمية مهيمنة؛ فحصته في احتياطيات البنوك المركزية العالمية ما تزال متواضعة نسبيًا مقارنة بالدولار واليورو، ويعود ذلك جزئيًا إلى استمرار بكين في فرض قيود جزئية على تدفقات رأس المال، ما يحد من ثقة بعض المستثمرين والدول في الاحتفاظ بكميات ضخمة من اليوان كاحتياط استراتيجي. لكن الاتجاه العام واضح: اليوان يكتسب أرضًا تدريجيًا، خصوصًا في التجارة الثنائية بين الصين وشركائها التجاريين الكبار.
بريكس والحديث عن عملة بديلة للدولار
لا يمكن الحديث عن الروبل واليوان دون التطرق إلى مجموعة “بريكس” (BRICS)، التي تضم في نواتها الأصلية البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وتوسعت لاحقًا لتشمل دولًا أخرى من بينها دول في الشرق الأوسط. طُرحت في قمم بريكس المتعاقبة أفكار متعددة حول تقليل الاعتماد على الدولار في التجارة البينية، وتردد الحديث إعلاميًا عن احتمال إطلاق “عملة بريكس موحدة”، إلا أن هذا الطرح يبقى حتى الآن أقرب إلى فكرة طموحة بعيدة المدى منه إلى مشروع قيد التنفيذ الفعلي.
فالفوارق الاقتصادية والسياسية الكبيرة بين أعضاء المجموعة، وتباين مصالحها التجارية، واختلاف أنظمتها النقدية ومستويات استقلالية بنوكها المركزية، كلها عوامل تجعل تأسيس عملة موحدة تحديًا هيكليًا ضخمًا يتجاوز في تعقيده تجربة اليورو نفسها. الأكثر واقعية على المدى القريب والمتوسط هو ما يحدث بالفعل: توسّع تدريجي في التسويات الثنائية بالعملات المحلية (مثل تسوية صادرات النفط الروسية للهند باليوان أو الروبل)، وليس ظهور عملة عالمية جديدة منافسة للدولار في المدى المنظور. من المهم لقارئ دينارفيو أن يفرّق بين “تقليل الاعتماد على الدولار في زوايا معينة من التجارة الدولية” وبين “نهاية هيمنة الدولار”، فهذان أمران مختلفان تمامًا من حيث الجدول الزمني والاحتمالية.
في مقابل الحديث عن نظام نقدي جديد، يبدو السجل المقيس للعملتين متواضعاً ويستحق قراءة صريحة.
| السنة | دينار لكل يوان | يوان لكل دولار | دينار لكل روبل | روبل لكل دولار |
|---|---|---|---|---|
| 2022 | 215 | 6.73 | 24.4 | 60.9 |
| 2023 | 218 | 7.07 | 18.2 | 84.4 |
| 2024 | 209 | 7.18 | 16.2 | 92.6 |
| 2025 | 200 | 7.19 | 17.3 | 83.2 |
| 2026 | 224 | 6.84 | 19.7 | 77.5 |
متوسطات دينارفيو السنوية. يبدأ سجل الدينار في أيار 2022؛ و2026 حتى مطلع أيلول.
اليوان هو الذي يكسب فعلاً، ويكسب ببطء. ففي مسح بنك التسويات الدولية لعام 2025 كان طرفاً في 8.5 في المئة من مجموع صفقات العملات، صعوداً من 7.0 في المئة في 2022، ومواصلاً ارتفاعاً بدأ في 2013؛ وصار زوج الدولار/اليوان خامس أكثر الأزواج تداولاً في العالم عند 8.1 في المئة من حجم التداول. لكن في بيانات «كوفر» للاحتياطيات لدى صندوق النقد الدولي للربع الأول من 2026، لم يشكّل اليوان سوى 1.99 في المئة من الاحتياطيات الرسمية المخصَّصة — أي أقل من عُشر حصة اليورو ونحو جزء من ثمانية وعشرين من حصة الدولار. يمكن أن تكون العملة واسعة التداول وقليلة الاقتناء في آن، واليوان أوضح مثال على ذلك بالضبط.
أما النتيجة العملية للقارئ في العراق فضيّقة لكنها حقيقية. تهيمن البضائع الصينية على تجارة الاستيراد، وقد تحرك سعرها بالدينار نحو +4 في المئة منذ 2022 — وكاد ذلك كله أن يكون فعل الدينار لا اليوان، لأن بكين تُبقي عملتها في نطاق مُدار. أما التجارة الروسية مع العراق فصغيرة بالمقارنة وتُسوّى بالدولار عملياً، فتصل تقلبات الروبل إلى البيت العراقي عبر سعر الحنطة والأسمدة أساساً لا عبر لوحة الصرافة.
العلاقات التجارية بين الصين وروسيا والعراق والشرق الأوسط
يمثّل العراق سوقًا مهمًا للصادرات الصينية، من الآلات والمعدات الصناعية إلى السلع الاستهلاكية والإلكترونيات، بينما تشكل الصين من جهة أخرى شريكًا رئيسيًا في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية العراقية، خصوصًا في إطار اتفاقيات “النفط مقابل الإعمار” الموقعة بين بغداد وشركات صينية. هذا الحجم الكبير من التبادل التجاري يجعل مسألة تسوية التجارة باليوان ذات صلة مباشرة بالمستورد العراقي: فكلما ازداد استخدام اليوان في تسوية فواتير الاستيراد من الصين (بدلًا من المرور الإلزامي عبر الدولار)، تغيرت بعض ديناميكيات الطلب على العملات الأجنبية داخل السوق العراقية، ولو بشكل تدريجي وغير مباشر.
أما الروبل الروسي فحضوره في التجارة العراقية أقل مباشرة، لكن روسيا تبقى فاعلًا مهمًا في قطاع الطاقة العراقي عبر شركات نفطية روسية تعمل في حقول جنوب العراق، إضافة إلى علاقات تسليح وتعاون فني تاريخية. مع تصاعد العقوبات الغربية على موسكو، تراقب دول المنطقة، ومن ضمنها العراق، بحذر شديد أي تعاملات مالية قد تربطها بالنظام المصرفي الروسي، حرصًا على عدم التعرض لعقوبات ثانوية من واشنطن قد تطال البنوك المحلية والمراسلة الدولية للدينار العراقي.
هذا التوازن الدقيق – الاستفادة من فرص التجارة مع الصين وروسيا من جهة، والحفاظ على العلاقات المصرفية المراسلة مع النظام المالي الغربي والدولار من جهة أخرى – هو بالضبط ما يجعل العراق حالة مثيرة للاهتمام في دراسة “تعدد الأقطاب النقدي” على أرض الواقع، لا في الخطابات السياسية فقط.
ماذا يعني هذا لمستخدم دينارفيو؟
بالنسبة للمواطن العراقي العادي أو التاجر أو المستورد، لا يعني صعود الروبل واليوان تغيرًا مباشرًا وفوريًا في سعر صرف الدينار العراقي، الذي لا يزال مرتبطًا بشكل أساسي بالدولار الأمريكي عبر السعر الرسمي لدى البنك المركزي العراقي (1310 دينارًا لكل دولار)، إضافة إلى سعر السوق الموازي الذي يتحدد بعوامل محلية مثل توفر الدولار النقدي ومزاد العملة والطلب الموسمي. لكن على المدى المتوسط والبعيد، فإن أي تحول عالمي كبير في هيكل التجارة والتسويات النقدية – سواء عبر توسع دور اليوان أو عبر تراجع تدريجي في مركزية الدولار في بعض قنوات التجارة الإقليمية – قد ينعكس بشكل غير مباشر على تدفقات النقد الأجنبي إلى العراق وأنماط الطلب على العملات داخل السوق.
من هنا تأتي أهمية متابعة هذه التطورات النقدية العالمية لمستخدمي دينارفيو، ليس بهدف المضاربة أو اتخاذ قرارات استثمارية آنية – إذ لا يقدم هذا المقال أي نصيحة مالية ولا يجب اعتباره كذلك – بل بهدف بناء فهم أعمق للسياق الذي تتحرك ضمنه أسعار الصرف المحلية. فمعرفة أن اقتصادًا كالاقتصاد الروسي مرتبط بالنفط كما هو حال العراق، أو أن الصين تسعى بحذر إلى تدويل عملتها دون التخلي عن الرقابة، يمنح القارئ أدوات تحليلية أفضل لفهم الأخبار الاقتصادية العالمية وتأثيرها المحتمل، ولو غير المباشر، على جيبه.
أسئلة شائعة
هل يمكن لليوان الصيني أن يحل محل الدولار كعملة احتياط عالمية؟
ليس في المدى القريب. رغم التقدم الملحوظ في تدويل اليوان، فإن حصته في احتياطيات البنوك المركزية العالمية لا تزال محدودة مقارنة بالدولار، بسبب استمرار القيود الصينية على حركة رأس المال وعدم اكتمال شروط “قابلية التحويل الحرة” الكاملة للعملة.
ما هو نظام CIPS وهل يشبه سويفت؟
نظام CIPS (نظام المدفوعات عبر الحدود بين البنوك) هو بنية صينية لتسوية المعاملات المصرفية الدولية باليوان، ويؤدي وظيفة أقرب إلى سويفت من ناحية نقل رسائل الدفع بين البنوك، لكنه أضيق نطاقًا من حيث عدد البنوك المشاركة والعملات المدعومة، وما يزال في طور التوسع.
هل ستُطلق مجموعة بريكس عملة موحدة قريبًا؟
حتى تاريخ كتابة هذا المقال، فإن فكرة “عملة بريكس موحدة” تبقى مقترحًا نظريًا متداولًا إعلاميًا أكثر من كونها مشروعًا فعليًا قيد التنفيذ، نظرًا للتباينات الاقتصادية والسياسية الكبيرة بين أعضاء المجموعة.
هل يؤثر صعود اليوان والروبل على سعر صرف الدينار العراقي مباشرة؟
التأثير المباشر والفوري محدود جدًا، إذ يبقى الدينار العراقي مرتبطًا أساسًا بالدولار الأمريكي. لكن التحولات طويلة المدى في هيكل التجارة العالمية وتسوياتها النقدية قد تنعكس بشكل غير مباشر وتدريجي على تدفقات العملة الأجنبية في السوق العراقية.
المصادر
- بنك روسيا المركزي
- بنك الشعب الصيني
- مسح بنك التسويات الدولية الثلاثي 2025 — حجم تداول العملات خارج البورصة
- صندوق النقد الدولي — التركيبة العملاتية لاحتياطيات النقد الأجنبي الرسمية
- دينارفيو — لوحة الأسعار الحيّة
الأرقام الموسومة بـ«دينارفيو» محسوبة من السجل اليومي لهذا الموقع. وما عداها يحيل إلى الجهة الناشرة نفسها.